بالنسبة إلى أبناء الشتات، غالباً ما تكون الذاكرة إرثاً يُجمع من شظايا متناثرة: رسائل ومقتنيات عائلية وقصص عبرت الحدود. وفي إصدار الكاتبة Hooda Shawa لشهر سبتمبر، The Necklace of Seven Souls، تنبض هذه الجغرافيا المجزأة بالحياة. تمتد أحداث رواية اليافعين بين باريس وحلب وطنجة وحيفا، وتتبع مراهقين، Farida وMazen، يقودهما لقاء عابر في متحف اللوفر إلى البحث عن بورتريه عائلي مفقود يعود إلى أربعينيات القرن الماضي، ليكشفا تاريخاً متشابكاً متجذراً في الفن والنجاة والأصداء التي لم تُحسم بعد لنكبة عام 1948.
تُعد Shawa من الأسماء المحبوبة في Emirates Literature Festival، وهي تدرك هذه التجربة العابرة للثقافات عن قرب. وُلدت في المملكة المتحدة لأب فلسطيني وأم إنجليزية، وقضت طفولتها في المملكة العربية السعودية متنقلة بين المدارس العربية المحلية ومنزل تشكّل بتقاليد بريطانية وعربية. صدرت الرواية للمرة الأولى باللغة العربية عام 2019 بعنوان My Palestinian Sitti، قبل أن تنال حياة ثانية حين تعاونت Shawa مع المترجمتين Sawad Hussain وNour Juljuli لتطوير السرد بما يناسب جمهوراً عالمياً ناطقاً بالإنجليزية. هنا، تتحدث Shawa إلى MOJEH عن دور الجدات كحارسات للتاريخ، وتحويل نص عربي إلى عمل يخاطب جمهوراً عالمياً، ومسؤولية تفكيك الصور النمطية الغربية.
MOJEH: ما الذي ألهمكِ لكتابة The Necklace of Seven Souls؟
Hooda Shawa: استمددت إلهامي لكتابة The Necklace of Seven Souls من حياة كاملة أمضيتها متنقلة بين الشرق والغرب، ومن التاريخ العائلي الفلسطيني والإنجليزي الخاص بي. ونبعت الرواية من افتتاني بالجدات الفلسطينيات بوصفهن حاملات للذاكرة.
كانت جدتي من جهة والدي، ستي، من غزة. لم تُهجّر عام 1948، لكنها أُجبرت على مغادرة منزلها بعد الاجتياح الإسرائيلي لغزة عام 2006، ولم تعد أبداً إلى المدينة التي وُلدت فيها. توفيت في عمّان. دفعتني قصتها، وقصص الكثير من النساء الفلسطينيات الأخريات، إلى التفكير في الجدات بوصفهن حافظات للمفاتيح والذكريات والصور والقصص والتاريخ. ويصبح سردهن للقصص وسيلة للحفاظ على الذاكرة الجماعية الفلسطينية ومقاومة المحو الثقافي.
تربط أحداث الرواية بين باريس وحلب وطنجة وحيفا. كيف يؤثر الانتقال بين هذه الأماكن المختلفة في الطريقة التي يتعامل بها Farida وMazen مع ذاكرتهما الموروثة عن النكبة؟
يعكس التنقل بين الأماكن المختلفة الجغرافيا المجزأة للذاكرة الفلسطينية والشتات. ينحدر Farida وMazen من تاريخين عائليين مختلفين، لكن كليهما يعيش مع إرث تشكّل بفعل التهجير. فرت Farida من الصراع في سوريا مع والديها، وتحاول الآن إثبات نفسها كفنانة في باريس، بينما يصل Mazen، الذي تلقى تعليمه في لندن، إلى باريس بحثاً عن بورتريه لجدته Laila رسمه الفنان الإنجليزي William Dixon في أربعينيات القرن الماضي. ويجمع لقاؤهما في متحف اللوفر بين هذين التاريخين اللذين يبدوان منفصلين.
تصبح باريس المكان الذي يلتقي فيه المراهقان ويبدآن اكتشاف الروابط بين عائلتيهما. ومن المهم أيضاً أنهما يستكشفان هذا التاريخ بعيداً عن فلسطين. تتيح لهما المسافة الجغرافية البحث في الماضي من منظور شابين ورثا تاريخاً من التهجير من دون أن يكونا قد عاشا النكبة بنفسيهما بالضرورة.

أما حلب وطنجة فتوسّعان مفهوم التهجير إلى ما يتجاوز فلسطين نفسها. وتصبح هذه الأماكن جزءاً من الجغرافيا التي انتقلت عبرها التواريخ الفلسطينية والعربية، بينما تمثّل حيفا نقطة محددة للمنشأ والفقدان.
اخترتِ الكتابة لليافعين والمراهقين. ما الذي جعل أدب اليافعين الوسيلة المناسبة لاستكشاف التهجير التاريخي؟
انجذبت إلى أدب اليافعين لأن الشباب غالباً ما يكونون في مرحلة من حياتهم تصبح فيها أسئلة الهوية والانتماء أكثر إلحاحاً. أردت استكشاف هذه الأسئلة من خلال شخصيات تكتشف أن القصص التي ترثها عن عائلاتها يمكن أن تشكّل هويتها، لكنها لا يجب بالضرورة أن تحدد مستقبلها.
عندما كانت ابنتاي في المدرسة في الكويت، كانتا تعودان إلى المنزل بحقائب مليئة بكتب اليافعين باللغة الإنجليزية لكتّاب مثل Roald Dahl وJacqueline Wilson. وبدأت أدرك بشكل متزايد غياب قصص عربية مماثلة. كنت أؤمن بشدة بأن الأطفال يجب أن يتمكنوا من رؤية أنفسهم وتاريخهم وعوالمهم منعكسة في الكتب التي يقرأونها. أردت أن أكتب الكتب التي تمنيت لو كنت أجدها في تلك الحقائب المدرسية.
أخبرينا عن عملية كتابة الرواية الأصلية بالعربية، ثم إعادة تصوّرها باللغة الإنجليزية.
كانت كتابة My Palestinian Sitti متجذرة بعمق في التاريخ الشفهي؛ استمعت إلى شهادات نساء فلسطينيات وانغمست في قصص التهجير وسلب الممتلكات والنجاة والصمود. وأكثر ما بقي عالقاً في ذهني كان دور الجدات في نقل التاريخ. فقصصهن تحفظ ذكريات كان من الممكن أن تُمحى لولاها، ويصبح فعل سرد هذه القصص بحد ذاته شكلاً من أشكال المقاومة.
عندما سنحت فرصة ترجمة الرواية إلى الإنجليزية، بدأت العملية عام 2024 مع المترجمتين Sawad Hussain وNour Juljuli. وكانت فرصة مثيرة ليس فقط لترجمة النص العربي، بل لإعادة النظر فيه أيضاً.
أصبحت النسخة الإنجليزية أكثر من مجرد ترجمة مباشرة. فمن خلال سلسلة من الحوارات بين الكاتبة والمترجمتين والمحررين، تطورت الرواية لتناسب جمهوراً عالمياً ناطقاً بالإنجليزية. أضفنا فصولاً وطوّرنا تحولات جديدة في الحبكة، ووصلنا في النهاية إلى عنوان جديد، The Necklace of Seven Souls.
لذلك، كانت العملية في حقيقتها تحوّلاً إبداعياً أكثر منها مجرد نقل من لغة إلى أخرى. وقد أتاحت لي العودة إلى الرواية بعد عدة سنوات من نشرها الأصلي أن أرى القصة بصورة مختلفة، وأن أستكشف أفكاراً وتطورات ظهرت منذ عام 2019.
إلى أي مدى شاركتِ في ضمان انتقال الفروق الثقافية الدقيقة بسلاسة إلى الإنجليزية؟
نظراً إلى الطبيعة الجغرافية العابرة للحدود في الرواية، تنقلت إشاراتها الثقافية بين أماكن متعددة في الشتات. أعتقد أن الجمهور العالمي يتقبّل بطبيعته هذا الطيف الواسع من العناصر العابرة للغات. لذلك، فإن الإشارة إلى مقطوعة موسيقية لـDebussy في الرواية يمكن فهمها بالقدر نفسه الذي تُفهم به الإشارة إلى المطربة السورية المصرية Asmahan.
ما الدور الذي تؤديه الترجمة الأدبية في استعادة السرديات الإقليمية وإيصالها إلى الساحة العالمية؟
يمكن للترجمة أن تفتح الباب أمام قصص قد تظل بعيدة عن متناول القراء الذين لا يتحدثون اللغة الأصلية. وفي حالة الأدب الفلسطيني والعربي بشكل أوسع، أعتقد أن هذا الأمر مهم بشكل خاص، لأن الكثير من الصور التي قُدّمت عن المنطقة تاريخياً صيغت من خلال أطر غربية.
تمتلك الترجمة القدرة على تغيير من يملك حق سرد القصة ومن يُسمع صوته. لكنها تحتاج أيضاً إلى مقاومة إغراء تبسيط السرديات الإقليمية وتحويلها إلى شيء يسهل استهلاكه بالنسبة إلى الجمهور العالمي.
كيف تنظرين إلى مسؤولية الكاتب عند مشاركة قصص متجذرة في الذاكرة الجماعية للشرق الأوسط مع جمهور أوسع؟
أعتقد أن المسؤولية تكمن في مقاومة التبسيط وسرد القصة بصدق وتعقيد. وهناك خطر، خصوصاً في ما يتعلق بتاريخ الشرق الأوسط، من أن تُروى القصص من خلال صور نمطية مألوفة أو أن تُختزل في سرديات الصراع والضحية.
أردت للشخصيات الفلسطينية في هذه الرواية أن تعيش حياة تتجاوز الصدمة التاريخية التي ورثتها. Farida، على سبيل المثال، فنانة، وعلاقتها بالفن محورية في تحوّلها. في بداية الرواية، تنخرط في نوع من الاستشراق الذاتي، متكيفة مع سوق فنية يهيمن عليها الرجال وتتاجر في عالم غامض من الأعمال الاستشراقية المزيّفة.
بالنسبة إليّ، فإن سرد قصة متجذّرة في التاريخ الفلسطيني يعني أيضاً السماح للشخصيات بأن تكون معقّدة ومبدعة ومليئة بالعيوب وطموحة وقادرة على التحوّل. فلا ينبغي أن يكون وجودها مجرد تمثيل لتاريخ سياسي.
ما الذي تعملين عليه تالياً؟
أعمل على رواية فانتازيا لليافعين تمزج بين أسطورتين، أساطير بلاد ما بين النهرين والأساطير المصرية القديمة، ضمن رواية قصيرة معاصرة تتمحور حول هوية الشتات وأنظمة المعتقدات القديمة. اقرئي The Necklace of Seven Souls هنا.