على مدار الاثني عشر شهراً الماضية، زارت أماندا أشوورث 19 دولة، وتخطط خلال العام المقبل لزيارة 12 دولة أخرى، بما في ذلك وجهات في أمريكا الوسطى ومنطقة البحر الكاريبي. وتقول في حديثها إلى MOJEH: «من أبرز تجاربي الأخيرة السفر بالقطار عبر أوروبا، إلى جانب رحلاتي إلى الصين وأستراليا».
وقد يُخيّل إليكم أن أماندا شابة في العشرينيات من عمرها خرجت لتوها من الجامعة، أو مسافرة تعتمد على صندوق ائتماني وتمضي وقتها في ملاحقة الغروب والاستمتاع بالحياة. لكن الحقيقة مختلفة تماماً؛ فهي سيدة عاملة، متزوجة ولديها ثلاثة أطفال: ابن يبلغ من العمر 17 عاماً وابنتان تبلغان ثماني وخمس سنوات. فكيف تتمكن من السفر بهذه الحرية مع عائلتها؟ يكمن الجواب في مفهوم التعليم عبر الترحال (Worldschooling)، وهو نهج تعليمي يقدم نموذجاً مختلفاً للتعلم، يقوم على الانغماس الثقافي والتجارب العملية بدلاً من اختبارات القراءة داخل الصفوف أو حفظ جداول الضرب خلف المكاتب. وتقول: «مرّت الآن عشر سنوات، وكان من الرائع أن أشاهد أطفالي يكبرون وهم على اتصال بثقافات وأساليب حياة مختلفة».
وفي جوهر التعليم عبر الترحال تكمن رغبة متزايدة لدى العائلات الحديثة في إعادة التفكير ليس فقط في كيفية تعلم الأطفال، بل أيضاً في المكان الذي يتعلمون فيه. وبالنسبة للقلة المحظوظة، قد يعني ذلك قضاء عام أو أكثر في التنقل، حيث يتعلم الأطفال اللغات من السكان المحليين، والتاريخ من المعالم الثقافية، والفنون من المتاحف والمعارض العالمية. وتوضح لوسي سبنسر، مؤسسة Education Boutique، التي تساعد العائلات على تنظيم الجوانب العملية لهذا النمط التعليمي: «يدرك هؤلاء الآباء قيمة تربية أطفال يتمتعون بعقلية عالمية، فضوليين، متعاطفين، ومتمكنين ثقافياً، كما أنهم يمتلكون الإمكانات لتحقيق ذلك». وبينما تختلف الأنظمة التعليمية من دولة إلى أخرى، يعتمد معظم المقيمين في دولة الإمارات على التعليم المنزلي بالتوازي مع السفر، مع إمكانية الاختيار بين مناهج دولية متعددة، مثل الدبلوم الأمريكي أو المنهج الوطني البريطاني. كما تستعين كثير من العائلات التي تسافر لفترات طويلة بمعلمين خصوصيين.

مع التعليم عبر الترحال، يمكن حتى للأكروبوليس في أثينا أن يتحول إلى فصل دراسي.
وكما هو متوقع، يفتح هذا الامتياز الباب أمام بعض أكثر التجارب الاستثنائية. فقد ساعدت لوسي عائلات على التخطيط لجولات عالمية تشمل زيارة عجائب الدنيا السبع الحديثة، والمشاركة في إعادة زراعة الشعاب المرجانية قبالة سواحل المالديف، ودراسة التاريخ الألماني في برلين، واستكشاف علم الفلك تحت سماء عُمان الصحراوية، والإبحار عبر جزر غالاباغوس مع تدوين يوميات استكشافية.
وهناك أيضاً عائلات مثل عائلة أشوورث، التي تبنت التعليم عبر الترحال كأسلوب حياة. فقد انتقلت أماندا مع عائلتها من المملكة المتحدة إلى دبي قبل ثلاث سنوات، ولم تعرف ابنتاها الصغيرتان يوماً الفصول الدراسية التقليدية، إذ قادت رحلات العائلة، الممولة من عمل أماندا كمدربة شمولية ومن عمل زوجها في مجال تقنية المعلومات، الأطفال من الشعاب المرجانية إلى القرى الجبلية، حيث كان التعلم يتكشف بصورة طبيعية في كل محطة.
فعلى سبيل المثال، شارك أطفالها في المالديف في ورشة لعلم الأحياء البحرية، مارسوا خلالها الغطس فوق الشعاب المرجانية وتعرفوا إلى ترميمها والتنوع البيولوجي. وفي بالي، جاءت الدروس من خلال الزراعة المستدامة وأنماط الحياة البيئية، بينما تعلموا في المغرب خبز الخبز داخل الأفران الطينية، واكتسبوا بعض العبارات العربية، واستمعوا إلى كبار السن وهم يروون قصص الحياة الأمازيغية. وتقول أماندا: «كانت تجربة تعليمية في الثقافة والتواصل وقوة الروابط الإنسانية. لقد أدرك أطفالنا أن الحكمة لا تأتي فقط من المعلمين، بل أيضاً من الناس وقصصهم».
واليوم، تطور شغف أماندا إلى مشروع أكبر، وهو Worldschooling Hub Goa، وهي مساحة مجتمعية يتعلم فيها الأطفال من خلال الطبيعة والإبداع والتعاون، بينما يستفيد الآباء من مساحات العمل المشتركة وأنشطة العافية. وتضيف: «ألهمنا نجاح مركز غوا لإطلاق مشروعنا التالي، The Worldschooling Community Abu Dhabi، الذي سيفتتح في سبتمبر 2026، وسيقدم قاعدة تجمع بين الفخامة الميسرة والراحة وروح المجتمع للعائلات الراغبة في العيش والتعلم في الشرق الأوسط».
وبالطبع، لا تستطيع جميع العائلات، أو لا ترغب، في تغيير نمط حياتها بالكامل، لذلك تتجه أعداد متزايدة إلى نموذج أكثر مرونة، يجعل السفر مكملاً للتعليم بدلاً من أن يحل محله. وهؤلاء هم الآباء الذين يستثمرون العطلات الصيفية الطويلة في رحلات هادفة، مدركين أن بضعة أسابيع من السفر المقصود قد تترك أثراً يدوم طويلاً.

يمكن للأطفال التعرف إلى النظم البيئية من خلال التجارب العملية بدلاً من المحاكاة الافتراضية.
ومع ذلك، فإن ذلك لا يقلل من عمق التجربة، بفضل برامج السفر التي تمزج بين التعليم والمغامرة، مثل الرحلات البطيئة في اليابان التي تجمع بين التاريخ في كيوتو وورش الروبوتات في طوكيو، أو الجولات المتوسطية التي تربط بين الآثار اليونانية القديمة ومشاريع الحفاظ على البيئة البحرية على طول الساحل الدلماسي. كما تحظى كوستاريكا بشعبية خاصة لدى العائلات الراغبة في الجمع بين استكشاف الغابات المطيرة والتعلم العملي حول الاستدامة، بينما توفر آيسلندا فصلاً دراسياً طبيعياً لعلوم الجيولوجيا والمناخ ومراقبة النجوم تحت شمس منتصف الليل.
ويقول جيمي كارول، مؤسس شركة Pelorus المتخصصة في تصميم رحلات فاخرة للعائلات فائقة الثراء: «يرغب الآباء في أن يكتسب أطفالهم وعياً عالمياً، وطلاقة ثقافية، وفهماً أعمق لكوكبنا». ويضيف أن الشركة تشهد طلباً متزايداً على تجارب تتجاوز مفهوم الرفاهية التقليدي.
وفي الواقع، شكّلت الرحلات التعليمية 57% من رحلات العائلات لدى Pelorus خلال عام 2025. ويوضح جيمي: «غالباً ما تُبنى هذه الرحلات حول اهتمامات الطفل الخاصة، سواء كانت علم الأحياء البحرية أو الاكتشاف الثقافي أو مشاريع الحفاظ على البيئة، مع تزايد شعبية وجهات مثل نيوزيلندا، والمناطق القطبية، وإندونيسيا، والقارة الأفريقية».
ومن أكثر المشاريع التي لا ينساها رحلة إلى القارة القطبية الجنوبية على متن يخت استكشافي مع أطفال مولعين بالحياة البرية، حيث قاد الباحثون الموجودون على متن اليخت جلسات تعليمية عملية للأطفال، شملت دراسة مستعمرات البطاريق والمشاركة في تتبع الحيتان. بل إن أحد الأطفال، وكان يبلغ من العمر 11 عاماً، انضم إلى العلماء في أبحاث ميدانية مباشرة. والخيارات، بالفعل، لا حدود لها.
وبطبيعة الحال، هناك اعتبارات عملية يجب أخذها في الحسبان عند خوض تجربة التعليم عبر الترحال، ويأتي العمر في مقدمتها. وتنصح لوسي: «الفئة العمرية المثالية عادة ما تكون بين ستة و14 عاماً، حيث يكون الأطفال قادرين على استيعاب العالم وطرح الأسئلة، مع احتفاظهم بالمرونة والفضول اللازمين للتكيف بسهولة». ومع ذلك، لا يقتصر هذا النمط على عمر معين؛ فقد يكتسب الأطفال الصغار كلماتهم الأولى بلغات متعددة، بينما يستعد المراهقون لامتحانات GCSE وهم يتنقلون بين القارات والثقافات في الوقت نفسه.
وبالقدر نفسه من المرونة، يتغير أيضاً دور الوالدين. فبينما قد يختار البعض ممن تسمح لهم ظروفهم المادية التفرغ الكامل لفترة من الزمن، يواصل كثيرون العمل عن بُعد، مع دمج تعليم أطفالهم ضمن روتينهم اليومي بدلاً من التخلي عنه. وفي هذا السياق، برزت دولة الإمارات كنقطة انطلاق مثالية، بفضل موقعها المركزي، وبنيتها التحتية المتطورة، وخيارات الإقامة المرنة، التي توفر للعائلات مزيجاً نادراً من الاستقرار والحرية، سواء باعتبارها موطناً يعودون إليه بين الرحلات أو قاعدة ينطلقون منها بينما يصبح العالم جزءاً من المنهج الدراسي. وكما تقول لوسي: «المدرسة توحي بأن للتعليم تاريخ انتهاء… أما العالم فلا».
تجارب التعليم عبر الترحال التي تستحق التجربة
هل ترغبون في نقل التعلم إلى ما هو أبعد من الجدران الأربعة؟ إليكم مجموعة من أبرز تجارب عام 2026 التي تشكل نقطة انطلاق مثالية.
جولة فاخرة في اليونان القديمة
الأفضل لـ: دروس التاريخ اليوناني
مع Audley Travel، يمكن للعائلات استكشاف دلفي وأثينا بطريقة أقرب إلى رواية القصص منها إلى الجولات السياحية. ويقدم المرشدون الخبراء الأساطير اليونانية في مواقع مثل الأكروبوليس، ومعبد هيفايستوس، ومعبد زيوس الأولمبي، كما تتضمن الرحلة وسائل تنقل ممتعة، من جولات الدراجات الكهربائية حول أديرة ميتيورا إلى مغامرات الدفع الرباعي في المناظر الطبيعية الفريدة لجزيرة ميلوس. اعرفوا المزيد.
مغامرة الأمازون البيروفية مع Aqua Expeditions
الأفضل لـ: عشاق المغامرات
على متن اليخت الفاخر Aqua Nera، تستكشف العائلات غابات الأمازون برفقة دليل الطبيعة جورج دافيلا، ابن المنطقة الذي نشأ على ضفاف نهر إكيتوس. ويقود جورج الأطفال في أنشطة مثل مراقبة الحياة البرية وصيد أسماك البيرانا وألعاب مستوحاة من الطبيعة، إضافة إلى زيارة المجتمعات النهرية النائية والتعرف إلى تقاليدها وحرفها، في تجربة تجمع بين المغامرة والثقافة والتعلم العملي. اعرفوا المزيد.
برنامج علماء الأحياء البحرية الصغار في Crossroads Maldives
الأفضل لـ: محبي الأحياء البحرية
صُمم هذا البرنامج ليمنح المستكشفين الصغار فرصة التعرف إلى عالم الشعاب المرجانية برفقة العلماء المقيمين، حيث تتضمن التجربة دروساً في السياحة البيئية وورشاً عملية لإكثار الشعاب المرجانية. كما يضم مركز Maldives Discovery Centre معارض للفنون والتراث والحرف المحلية، ليمنح الأطفال مساحة مثالية للاستكشاف والتعلم. اعرفوا المزيد.
رحلات Singita Mini Rangers
الأفضل لـ: المهتمين بالحفاظ على البيئة
يقدم برنامج Singita Mini Rangers تجربة سفاري هادفة، يتعلم خلالها الأطفال مهارات الحياة البرية، وتتبع الحيوانات، وأساليب الحفاظ على البيئة برفقة مرشدين متخصصين في سيرينغيتي بتنزانيا، وحديقة كروغر وسابي ساندز في جنوب أفريقيا، وزيمبابوي، ورواندا. كما يشارك الأطفال الأكبر سناً في مشاريع إعادة التشجير وخدمة المجتمعات المحلية، في تجربة تربطهم بالطبيعة الأفريقية بصورة عملية وملهمة. اعرفوا المزيد.
أكاديمية النحل في One&Only Gorilla’s Nest، رواندا
الأفضل لـ: عشاق الطبيعة
يجمع هذا البرنامج الجديد بين التعلم العملي والتواصل الثقافي، حيث يتيح للأطفال استكشاف علم التلقيح، والتعرف إلى الدور الحيوي للنحل في النظم البيئية، ولقاء النساء العاملات في تربية النحل اللواتي يسهمن في دعم جهود الحفاظ على البيئة وتمكين المجتمعات المحلية. ومن خلال تذوق العسل والجلسات التفاعلية، تتحول الطبيعة إلى فصل دراسي حي يعرّف العائلات إلى التنوع البيولوجي والاستدامة وبيئة رواندا الفريدة. اعرفوا المزيد.
نُشر هذا الموضوع لأول مرة في عدد مارس 2026 من مجلة MOJEH. اشتركوا الآن.