أصبح الـGhosting – أي اختفاء الشريك أو الشخص الذي تواعدينه فجأةً من دون تفسير – ظاهرةً بارزة تُعرّف المواعدة الحديثة. ورغم أنه غالباً ما يُقدَّم على أنه “مشكلة تخص الشباب”، إلا أنه بات يُواجه بشكل متزايد من قبل أشخاص من مختلف الأعمار، سواء كمتلقّين له أو كأشخاص يختارون الانسحاب بصمت. وفهم هذه الظاهرة يتطلب النظر إلى ما وراء الأحكام الأخلاقية، نحو السياق، والاختيار، والغموض المتأصل في التواصل المعاصر.
ومهما كان الطرف الذي تقفين فيه، فإن الـGhosting نادراً ما يكون صحياً. قد يكون مؤلماً أن تفعليه، ومدمّراً أن يحدث لك. وبصفتنا بشراً نحاول التكيّف مع العصر الرقمي – حيث تطبيقات المواعدة، والرسائل الفورية، والحضور الدائم على الإنترنت – يصبح من السهل أن ننسى أن من يتجاهلنا ما زال موجوداً بالفعل، وبخير. وهذا قد يؤدي إلى القلق، والتجنّب، وميلٍ إلى إغلاق أنفسنا أمام إمكانية بناء اتصال حقيقي وحب في حياتنا.
ورغم أن الـGhosting يمكن أن يؤثر على أي شخص، إلا أنه غالباً ما يُصوَّر كتحدٍ يخص الأجيال الأصغر. لكن ماذا عن أولئك الذين نشأوا من دون وسائل التواصل الاجتماعي، ثم وجدوا أنفسهم اليوم مضطرين للتعامل مع الجوانب الأكثر قتامة في المواعدة الرقمية؟ بالنسبة لمن يدخلون عالم المواعدة – أو يعودون إليه – في مرحلة لاحقة من العمر، فإن تعلم كيفية التكيّف مع الـGhosting في عالم من الظهور الفوري والاتصال المستمر يفرض مجموعة جديدة تماماً من التحديات العاطفية.
يقول خوان كوركي، الأخصائي النفسي السريري في Thrive Wellbeing Centre في دبي، إن الـGhosting يتأثر بشكل كبير بالطريقة التي نتواصل بها عبر الإنترنت. ويوضح:
“أصبح الـGhosting وصفاً سهلاً للصمت في المواعدة الحديثة، لكن الفكرة نفسها أكثر إشكالية مما تبدو عليه في البداية. بمجرد أن نستخدم الكلمة، فإننا نؤطر التفاعل على أنه أحادي الجانب: شيء فُعل لشخص ما. وهذا التأطير يقوم مسبقاً على افتراض غالباً لا يتم التوقف عنده – وهو أن الناس مُلزَمون بالتفاعل، والرد، وتقديم تفسير واضح وفي الوقت المناسب.”
لقد ساهمت خصائص مثل “إيصالات القراءة”، ومؤشرات النشاط عبر الإنترنت، وإشعارات الرسائل الفورية في تضخيم توقعات لم تكن موجودة قبل العصر الرقمي. ففي الماضي، كان الانسحاب يحدث بشكل أكثر خفاءً: مكالمات لا يتم الرد عليها، دعوات تتوقف، وتواصل يتلاشى بشكل طبيعي. ويضيف كوركي:
“اعتبار كل حالة من الانسحاب فشلاً في التواصل يفرض التزاماً أخلاقياً لم يكن موجوداً أصلاً.”
وتشير الإحصاءات إلى أن الـGhosting لا يقتصر على الأجيال الأصغر. فوفقاً لمركز Pew Research، أفاد نحو 29% من البالغين بأنهم تعرضوا للـGhosting، مع تسجيل 21% من البالغين بين سن 50 و64 أنهم مرّوا بهذه التجربة. كما يعترف ما يقارب نصف العازبين بأنهم قاموا بتجاهل شخص ما بهذه الطريقة. وتؤكد هذه الأرقام أن الـGhosting ظاهرة مشتركة – تتشكل بفعل الثقافة الرقمية أكثر مما تتشكل بفعل العمر.

يوضح كوركي: “يفترض جزء كبير من النقاش الدائر حالياً أيضاً أن الـGhosting مؤذٍ بشكل خاص لمن هم فوق الأربعين. وغالباً ما يُعامل هذا الادعاء على أنه بديهي، لكن لا توجد أدلة قوية تُظهر أن العمليات النفسية الأساسية تختلف جذرياً باختلاف العمر.” ويضيف: “ما يتغير فعلاً هو القصة التي تُروى حوله. فالمواعدون في منتصف العمر يُصوَّرون على أنهم أكثر هشاشة، وأكثر انعداماً للأمان، وأكثر تأثراً بالغموض. وهذا السرد يعكس قلقاً ثقافياً حول التقدّم في العمر والمواعدة أكثر مما يعكس حقيقة الصمت نفسه.”
وتعزّز الأبحاث وجهة نظر كوركي: فعدم الارتياح الذي يسببه الـGhosting ينبع أساساً من الغموض، لا من العمر. إذ تُظهر الدراسات أن عدم اليقين يطيل الاستجابات العاطفية السلبية أكثر من الرفض المباشر، لأن العقل يستمر في البحث عن “خاتمة” أو تفسير. كما أن الأشخاص الذين لديهم حاجة عالية إلى اليقين يتأثرون بشكل أكبر، وهو ما يفسّر اختلاف ردود الفعل بدرجة تفوق تأثير العمر وحده.
ومع ذلك، فإن الـGhosting ليس طريقاً باتجاه واحد. فالنساء اللواتي يواعدن بعد الأربعين يتأثرن به… ويمارسنه أيضاً. يقول كوركي: “الانسحاب لا يحدث في فراغ. قد يختار شخص ما عدم الاستمرار لأن التفاعل يبدو مُرهقاً، أو متطفلاً، أو شديداً أكثر من اللازم، أو ببساطة غير منسجم. وبمجرد إطلاق وصف الـGhosting، يختفي المشهد العلاقي بالكامل من النظر.” وغالباً ما تتخذ النساء الأكبر سناً—مع وضوح أكبر حول احتياجاتهن وحدودهن—مثل هذه القرارات عن قصد. فالابتعاد عن علاقة لا تتوافق مع الأولويات هو خيار مدروس، لا خطأ أخلاقياً.
في دبي وعبر دولة الإمارات، شهدت المواعدة عبر الإنترنت نمواً سريعاً، متأثرة ببيئة رقمية وثقافية فريدة. ووفقاً لتقارير محلية، يشارك نحو 22% من مستخدمي الإمارات تفاصيل شخصية مع من يطابقون معهم خلال دقائق، ما يخلق مواقف قد تتصاعد بسرعة… ثم تخفت بالسرعة ذاتها.
كما تُعد السلامة والخصوصية من أبرز الهواجس: إذ أفاد نحو نصف من يواعدون عبر الإنترنت في الإمارات بأنهم واجهوا مشكلات تتعلق بالأمن السيبراني بعد التواصل رقمياً. وهذه العوامل تؤثر في كيفية تفسير النساء للصمت المفاجئ—هل هو حذر؟ أم عدم توافق؟ أم انسحاب رقمي لحماية الذات؟
وتؤثر المعايير الثقافية المرتبطة بالخصوصية والثقة والنية أيضاً في طبيعة التفاعل. فالتوقعات التقليدية حول الالتزام قد تجعل الانسحاب الرقمي المفاجئ يبدو أثقل من مجرد تمريرة عابرة، فيما تعكس التطبيقات المصممة لتناسب القيم المحلية محاولات مستمرة للموازنة بين المواعدة الحديثة والحساسيات الثقافية. وفي دراسة إلكترونية أجرتها MOJEH، شاركت أصوات محلية أن محادثات تبدأ بوعود كبيرة غالباً ما تتلاشى، لتجد النساء أنفسهن يحاولن تفسير ما إذا كان الصمت يعني عدم اهتمام… أم مجرد اختلاف في أسلوب التواصل.
ويؤكد كوركي أهمية امتلاك منظور أوسع: “الضيق المرتبط بالـGhosting سببه الغموض. فالصمت يترك مساحة للتأويل، والتأويل يفتح باب التشكيك في الذات. لكن الغموض ليس هو نفسه الأذى، وعدم التفاعل ليس هو نفسه الهجوم.”
وبالنسبة للنساء اللواتي يواعدن بعد الأربعين، تعني هذه الفكرة إدراك أن الانسحاب غالباً ما يكون خيار الطرف الآخر، لا انعكاساً للقيمة الشخصية. وفهم السياق، ووضع التوقعات مبكراً، وتفسير الصمت من دون تحويله إلى لوم داخلي—كل ذلك يساعد النساء على التعامل مع المواعدة الحديثة وفق شروطهن الخاصة.
قد تتضمن المواعدة بعد الأربعين عدم يقين وصمتاً مفاجئاً، لكن الـGhosting ليس مقياساً للهشاشة أو للفشل. بل هو جزء من منظومة علاقات تتشكل وفق أعراف التواصل، والاختيار الشخصي، والغموض الطبيعي في التفاعل الإنساني. والنساء اللواتي يخضن هذه المرحلة يمتلكن خبرة ووعياً ذاتياً ووضوحاً أكبر، ما يمكّنهن من قراءة الصمت بعقلانية… واختيار الانسحاب عندما يكون ذلك مناسباً.