هل تحتاجون إلى مدرب حياة أم معالج نفسي؟ MOJEH توضح الفرق.

life coach, therapy, psychologist
يقدّم التدريب على الحياة وعوداً كبيرة، لكن هل يرقى الواقع إلى مستوى تلك الوعود؟ تستكشف MOJEH الفرص التي يتيحها هذا القطاع سريع النمو، إلى جانب تحدياته ومخاطره، في نظرة متأنية تستحق هذا المجال بما يحمله من نوايا إيجابية.

بقلم :

في ساعات الليل المتأخرة، وبينما نتأمل مكاننا وسط ثقافة العمل المحمومة التي تميز هذه المنطقة الديناميكية، لا تزال قادرة على جعل الإرهاق يبدو وكأنه إنجاز يستحق السعي إليه. وبينما تواصل أفق المدن نبضه، وتستمر إشعارات واتساب بالتدفق، وكأنها استجابة لكل تطلعاتنا المهنية والاجتماعية والعاطفية، يمتلئ إنستغرام بصور نساء يرتدين أطقم الكتان البيج الهادئة المستوحاة من أسلوب “الثروة الخفية”، وهن يعدن بـ«الانسجام» و«الوفرة» و«التحول». وفي المساحة الفاصلة بين الاحتراق الوظيفي والطموح الذي لا يهدأ، وجد التدريب على الحياة أرضاً خصبة للنمو في أنحاء الشرق الأوسط.

وخلال العقد الماضي، تحول التدريب إلى صناعة عالمية تُقدر بمليارات الدولارات، مدفوعة بوسائل التواصل الاجتماعي وثقافة باتت مهووسة بتحسين الذات باستمرار. وفي مدن مثل دبي، حيث تتقاطع الصورة الشخصية مع الرغبة في إعادة ابتكار الذات والسعي الدائم إلى الإنتاجية، يبدو سبب هذا الانتشار واضحاً. فبالنسبة لمن يجدون صعوبة في مواكبة الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في المنطقة، يبدو الاستعانة بمدرب حياة خياراً أنيقاً وطموحاً… بل وحتى فاخراً. لكن خلف هذا البريق التسويقي يبرز سؤال مقلق: من المؤهل فعلاً لمساعدة الناس على التعامل مع تعقيدات حياتهم؟

life coach, therapy, psychology

يقول ديفيد فروست، رئيس الاستراتيجية في IBEM Group، وهي شركة متخصصة في تنفيذ الاستراتيجيات وتتخذ من لندن ودول الخليج مقراً لها: «صناعة التدريب اليوم تشبه الغرب الأميركي القديم، أما التدريب على الحياة بشكل خاص فهو أكثر فوضوية». ويتمتع فروست بخبرة تمتد لعشرين عاماً كأحد أبرز المدربين المهنيين وأكثرهم احتراماً في المنطقة، حيث صمم وأشرف على أكاديميات تدريب، وقدم الإرشاد لكبار التنفيذيين، كما عمل مستشاراً للمؤسسات العاملة في هذا المجال. وهو يؤمن إيماناً راسخاً بـ«القوة التحويلية للتدريب الفعّال، وقدرته على إحداث فرق حقيقي في حياة الأفراد والفرق والمؤسسات». ومع ذلك، فإنه لا يخفي انتقاداته الحادة للانتشار المتسارع للتدريب على الحياة في المنطقة. ويضيف: «في بيئة الشركات توجد بعض الضوابط، إذ يمر المدربون عادة عبر مديري الموارد البشرية، أو أشخاص لديهم خبرة في التدريب ويعرفون كيف يبدو المدرب الجيد. أما في التدريب على الحياة، فالمخاطر أكبر بكثير، ومستوى الكفاءة في السوق، بصراحة، متدنٍ للغاية».

بالنسبة للبعض، قد يكون التدريب على الحياة تجربة تحول حقيقية، إذ يوفر إطاراً منظماً يساعد الأشخاص على التعامل مع مسيرتهم المهنية أو علاقاتهم أو مراحل الانتقال في حياتهم. أما بالنسبة لآخرين، فهو قطاع غير منظم، معرض للمبالغات والاستغلال وتجاوز الحدود المهنية.

وترى ليندا هيفرنان، المقيمة في جنيف، أن التدريب عندما يُمارس بالشكل الصحيح يحمل قيمة حقيقية. وتوضح: «عادة ما يلجأ الناس إلى التدريب في لحظات التحول أو الركود أو الطموح، كأن يواجهوا مفترق طرق مهنياً، أو يعيدوا التفكير في هدفهم، أو يرغبوا في رفع مستوى أدائهم، أو ببساطة يشعروا بأن لديهم إمكانات أكبر مما تعكسه ظروفهم الحالية». وتعمل هيفرنان كمدربة تنفيذية ومدربة نفسية ومعالجة بالتنويم الإيحائي السلوكي المعرفي، مستندة إلى خلفية أكاديمية في علم النفس، وعلم نفس القيادة، والعلوم السلوكية، وعلوم الأعصاب المتعلقة بالتوتر والمرونة، إضافة إلى الممارسة العلاجية. كما تحمل اعتمادات مهنية عدة، من بينها شهادة المدرب المهني المعتمد من الاتحاد الدولي للتدريب (ICF)، وعضوية جمعية علم النفس البريطانية، واعتماد المجلس الدولي للمعالجين النفسيين التكامليين.

وربما كان إدراكها العميق لإمكانات هذا المجال وحدوده هو ما يجعلها دقيقة في اختيار كلماتها عند الحديث عن المهنة نفسها. وتقول: «فكرة تدريب شخص على حياته بكل ما تحمله من تعقيد تبدو بالنسبة لي ادعاءً بالغ الطموح. وأكثر الممارسين كفاءة، مهما كانت ألقابهم، هم أولئك الذين يعملون وفق منهجية واضحة وحدود مهنية معروفة».

life coach, therapy, psychology

ولا يمكن المبالغة في أهمية هذا التمييز، لأن أي شخص تقريباً يستطيع قانونياً أن يطلق على نفسه لقب “مدرب حياة”. فعلى عكس علماء النفس والأطباء النفسيين والمعالجين المرخصين، لا يخضع مدربو الحياة لتنظيم قانوني موحد. ورغم وجود هيئات اعتماد مرموقة مثل الاتحاد الدولي للتدريب (ICF)، والمجلس الأوروبي للإرشاد والتدريب (EMCC)، وجمعية التدريب (Association for Coaching)، فإن الانضمام إليها يظل اختيارياً. وتقول هيفرنان: «هذا يخلق فجوة حقيقية بين الممارسين في أعلى مستويات المهنة، وأولئك الذين يعملون بتدريب محدود للغاية».

وقد وسعت وسائل التواصل الاجتماعي هذه الفجوة بشكل كبير. فالتدريب لم يعد يُسوَّق كخدمة فحسب، بل كأسلوب حياة قائم على الحرية، والظهور، وبناء العلامة الشخصية. وعلى تيك توك وإنستغرام، يعد المدربون متابعيهم بأعمال تحقق دخلاً من ستة أرقام، واكتشافات روحية، وثقة بالنفس بلا عناء، بينما يعلمونهم في الوقت نفسه كيف يصبحون هم أيضاً مدربين. وتقول هيفرنان: «يمكن ملاحظة مسار واضح عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يكمل بعض الأشخاص دورة تدريبية قصيرة عبر الإنترنت، ثم يبنون حضوراً رقمياً مصقولاً، ويباشرون العمل مع العملاء رغم محدودية خبرتهم».

أما آنا إيفانوفا-غاليتسينا، وهي مستشارة علاقات عامة تعمل لحسابها الخاص، فقد بدت لها الفكرة في البداية منطقية تماماً. وبعد سنوات من خوضها تجارب مع التدريب والعلاج النفسي، قررت أن تتدرب لتصبح مدربة حياة. وتقول: «أحد الأسباب التي دفعتني إلى ذلك هو أنني كنت أبحث عن رسالة في الحياة، لا مجرد وظيفة. بدا لي أن مساعدة الآخرين عمل يحمل معنى حقيقياً. وفي الوقت نفسه، وبما أنني كنت أنفق مبالغ كبيرة على العلاج النفسي، افترضت أن من السهل تحقيق دخل جيد من خلال العمل كمدربة».

وكحال كثيرين ممن ينجذبون إلى هذا المجال، كانت تمر بفترة صعبة من حياتها. فقد شهدت جائحة كوفيد طلاقها، وفقدانها لوظيفتها، وإلغاء خططها للانتقال إلى باريس. وتقول: «كنت مصدومة للغاية وخائبة الأمل مما كان يحدث في حياتي، لذا بدا لي أن تغيير مهنتي إلى مجال يساعد الآخرين فكرة جيدة». لكن واقع ممارسة التدريب كان أكثر تعقيداً بكثير من الصورة المثالية المحيطة به.

Life coach, therapy, psychology

وتضيف: «عندما قررت أن أصبح مدربة حياة بشكل احترافي، التحقت بدورتين عبر منصة Udemy حول التدريب على الحياة وحل النزاعات. وكان عليّ أن أكتسب ساعات تدريب مجانية قبل أن أتمكن من العمل مع العملاء مقابل أجر، لذا بدأت بتقديم جلسات لأشخاص أعرفهم. لكنني اكتشفت أن بعض القصص التي كانوا يروونها ويشتكون منها كانت مملة للغاية». وتعترف بصراحة: «لم أكن مهتمة بالاستماع إليها على الإطلاق. ورغم أنني كنت أعتقد أن العمل كمدربة سيكون مجزياً، فإنه لم يكن كذلك دائماً».

وفي النهاية، أدركت أن التدريب ليس المسار المهني المناسب لها، وتخلت عن الفكرة تماماً. وتقول: «رغم شغفي بالتدريب عندما كنت أتلقى الجلسات أو أتعلم، فإنه ظل يبدو عملاً شاقاً عندما بدأت أمارسه». وبينما امتلكت إيفانوفا-غاليتسينا الوعي الذاتي الكافي لإدراك حدودها، فإن غياب التنظيم في هذا القطاع يعني وجود كثيرين لا يملكون الإدراك نفسه.

أما بالنسبة لبعض العملاء السابقين، فتتجاوز المخاوف ذلك بكثير. فقد لجأت هولي ماكتاغارت*، وهي متخصصة في القطاع المالي تقيم في دبي وتنحدر من كندا، إلى التدريب على الحياة لأول مرة عام 2006 خلال فترة كانت تمر فيها بصعوبات شخصية. وتقول: «كنت أشعر بالضياع». وكان أول مدرب تعاملت معه مؤثراً بشكل إيجابي، وكانت راضية عن النتائج، إلا أن تجاربها اللاحقة جعلتها تشعر بقلق متزايد إزاء غياب الرقابة على هذا القطاع.

وتقول: «أدركت أن جميعهم تقريباً كانوا يرتجلون. كنت أعرف أن التدريب على الحياة غير منظم، لكنني لم أكن أعلم أن التدريب نفسه بهذه البساطة، إلا عندما التحقت به بنفسي». وقد حضرت عطلة نهاية الأسبوع الأولى من إحدى الدورات التي وصفتها بأنها «من أكثر البرامج احتراماً في دبي»، والتي تتراوح تكلفتها بين 28 ألفاً و40 ألف درهم. وما رأته هناك أثار قلقها. وتوضح: «كان المدربون يقومون بأمور كنت أعرف أنها غير مهنية وخطيرة، مثل تجاوز الحدود، والتحدث عن عملاء سابقين، والبكاء أمام المشاركين، ووضعهم في مواقف عاطفية حساسة». وقد غيّرت هذه التجربة نظرتها إلى المهنة بالكامل. وتضيف: «شعرت بأن تدريب أشخاص آخرين بهذه الطريقة ليصبحوا مدربين أمر خطير».

psychology, life coaching, therapy

وتتوافق مخاوفها مع ما يطرحه فروست، الذي يرى أن التدريب المحدود قد يمنح شعوراً زائفاً بالكفاءة. ويقول: «القليل من المعرفة قد يكون خطيراً، وهذا بالضبط ما نراه مع كثير من شهادات التدريب. يشبه الأمر قيادة السيارة؛ تنجح في اختبار القيادة، لكنك لا تعرف القيادة فعلاً بعد».

قصص ذات الصلة