ادخلوا أي معرض فني في المنطقة اليوم، وستشعرون على الفور بأن الأجواء قد تغيرت. فقد تلاشت تلك الهالة الصامتة والمهيبة التي لطالما أحاطت بمساحات الفن المعاصر، لتحل محلها أحاديث الزوار وتفاعلهم. ويشهد المشهد الفني في المنطقة تحولاً تدريجياً، إذ يتخلى عن طابعه النخبوي ليصبح الفن أداة للتفاعل المجتمعي والتأمل الذاتي، بدلاً من كونه مجرد رمز للمكانة. وللاستفادة من فهم أعمق لهذا التحول، تتحدث MOJEH مع القيّمين الثقافيين الذين يسهمون في تشكيل المشهد الفني اليوم، ويحاولون استكشاف التغيرات في تفضيلات جامعي الأعمال الفنية في المنطقة.
ولفهم جامع الأعمال الفنية، لا بد أولاً من النظر إلى المشهد من منظور القيّم الفني، وهو المسؤول عن تنسيق هذه التجارب وصياغتها، وإبطاء نظرة المتلقي في عالم يزداد إيقاعه سرعة يوماً بعد يوم. ففي المنطقة، تطور دور القيّم الفني بهدوء، متجاوزاً مجرد ترتيب الأعمال الفنية داخل مساحة العرض، ليصبح ممارسة أعمق تقوم على الترجمة الثقافية والاجتماعية.

توضح مينا فاري، كبيرة القيّمين الفنيين والمديرة الإبداعية في Rizq Art Initiative: «غالباً ما يسعى سوق الفن إلى السرعة والوضوح وسهولة الاقتناء، بينما تتطلب عملية التقييم الفني قدراً من التمهل والتأمل والتفاعل القائم على المفهوم. وفي جوهرها، تتمحور عملية التقييم الفني حول الإصغاء المستمر للفنانين ومحاولة فهم المنطلقات التي تنبع منها ممارساتهم الفنية: ما الذي يثير حماسهم؟ وما الذي يقلقهم؟ وما الذي يستجيبون له؟ ولماذا يشعرون بالحاجة إلى إنجاز الأعمال التي يقدمونها؟»
وتتفق مع هذا النهج كريستينا شقير، مؤسسة Hayaty Diaries، وهي منصة فنية متنقلة مقرها لندن تُعنى بفناني الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المعاصرين، إذ ترى أن دورها كقيّمة فنية يتيح لها تحويل الأجواء والمشاعر الحدسية إلى مساحات مادية ملموسة. وتقول: «التقييم الفني هو عملية مستمرة من التخيل، وربط المراجع، وبناء المفاهيم قبل وقت طويل من وجود أي شيء فعلي داخل مساحة العرض. فمعظم المشاريع تبدأ بأسئلة، لا بإجابات.»
وتضيف: «أحياناً أرغب في تنظيم معرض لمجرد أنه يخلق شعوراً معيناً، أو يدعو الناس إلى التوقف أمام أمر غير مريح أو يدفعهم إلى التأمل.» ومن خلال إعطاء الأولوية للعمق بدلاً من السرعة، يسهم القيّمون الفنيون في تعليم جمهور المنطقة النظر إلى الفن، ليس بوصفه منتجاً يُستهلك، بل رحلة فكرية وعاطفية.

لعل أبرز التحولات التي يشهدها المشهد الفني في المنطقة اليوم يتمثل في ديمقراطية تقدير الفن، وهي حركة تقودها بقوة نخبة جديدة من المتخصصين الذين يرفضون أن تقف ضبابية عالم الفن التقليدي عائقاً أمامهم. وقد لاحظت نادين خوري، القيّمة الفنية ومؤسسة Young Collectors Circle في دولة الإمارات، حالة من الجمود في الفعاليات الفنية الإقليمية، حيث كانت الوجوه نفسها وجامعو الأعمال الفنية أنفسهم يتكررون باستمرار. وتقول: «قد يبدو عالم الفن مغلقاً ومخيفاً وباهظ الكلفة وحصرياً، وكانت مهمتي دائماً هي تفكيك هذه الصورة النمطية وإظهار أن هذا المشهد أكثر سهولة وقرباً مما يعتقده كثيرون.»
ويغيّر هذا التفكيك البنيوي الطريقة التي يتفاعل بها الفن مع الحياة اليومية، إذ لم يعد محصوراً داخل المؤسسات الفنية، بل أصبح جزءاً من أسلوب الحياة. وتوضح كريستينا شقير: «لم يعد الشباب يتعاملون مع الفن باعتبارهم جامعي أعمال فنية فقط، بل يريدون بناء منصات، وتنظيم مشاريع، وافتتاح مساحات فنية، والعمل داخل القطاع، والمشاركة الفاعلة في رسم مستقبل الفن في المنطقة. وما يبعث على الحماس بشكل خاص هو أن الفن لم يعد منفصلاً عن الثقافة الأوسع، بل أصبح متشابكاً مع النقاشات المتعلقة بالهوية، والموضة، والموسيقى، والتصميم، وأسلوب الحياة.» ونتيجة لذلك، أصبح المشهد الفني الإقليمي أكثر تعاوناً، تقوده روح المجتمع، مدفوعاً بجيل جديد يقترب من الفنون بفضول وانفتاح عاطفي.
وقد أعادت هذه الصحوة الثقافية تشكيل مفهوم اقتناء الأعمال الفنية، مبتعدة عن قرارات الشراء الاندفاعية أو الاستثمارية البحتة، لتتجه نحو دعم مقصود وطويل الأمد للفنانين. وتشير مينا فاري إلى أن جامعي الأعمال الفنية أصبحوا أكثر جرأة، إذ يختارون أعمالاً تستند إلى السياق، ويقبلون على وسائط غير تقليدية مثل الخزف، والمنسوجات، والفنون القائمة على التكنولوجيا. وتضيف: «يسعدني أيضاً أن أرى جامعي أعمال فنية شباباً يسعون بنشاط إلى اكتشاف الفنانين الشباب والناشئين الذين لا تزال ممارساتهم الفنية في بداياتها»، مشيرة إلى تحول ملموس في مفهوم رعاية الفنانين. وتتابع: «نستقبل العديد من هؤلاء الجامعين خلال معرضنا السنوي Seen/Scene في Rizq Art Initiative، حيث نسلط الضوء على فنانين في بداية مسيرتهم المهنية.»

وتؤكد كريستينا شقير هذا التحول، مشيرة إلى أن اقتناء الأعمال الفنية أصبح امتداداً لرؤية المشتري للعالم، بدلاً من الاعتماد على الصيحات السائدة. وتقول: «لا شك أن الاستثمار لا يزال يلعب دوراً، لكن الناس أصبحوا أكثر اهتماماً باقتناء أعمال تعكس الهوية، والذاكرة، والثقافة، أو القيم الشخصية، بدلاً من مجرد اتباع اتجاهات السوق. كما يدرك الجيل الأصغر أنه ليس مضطراً إلى انتظار تحقيق ثروة طائلة حتى يتمكن من دعم الفنانين أو المشاركة في عالم الفن. وهناك اهتمام متزايد بالفنانين الناشئين، والإصدارات المحدودة، والتصوير الفوتوغرافي، والأعمال الأصغر حجماً، إذ يبني الكثيرون مجموعاتهم الفنية تدريجياً وبشكل طبيعي مع مرور الوقت.»
أما النصيحة التي يجمع عليها هؤلاء الخبراء للمشترين الجدد فهي واحدة: اقتنوا ما يلامس مشاعركم. وتقول نادين خوري: «اسمحوا لأنفسكم بالارتباط بالعمل الفني على المستوى العاطفي. لا تدعوا آراء الآخرين تملي عليكم ذائقتكم، وقاوموا فكرة النظر إلى الفن باعتباره استثماراً فقط. اقتنوا ما يحرك مشاعركم، وما ترغبون في العيش معه، وما ستملكون يوماً قصة تروونها عنه.»
وما يجعل هذه المرحلة في تاريخ الفن في الشرق الأوسط مميزة هو هذا التحول في الثقة الثقافية، إذ لم تعد المنطقة مجرد متلقٍ سلبي للاتجاهات العالمية، ولم تعد تبحث عن اعتراف خارجي. وتقول مينا فاري بفخر: «الفنانون هنا يعبرون عن واقعهم وتجاربهم الخاصة، وهذا ما منح الفن المعاصر في المنطقة هوية مميزة وحضوراً واضحاً.»

وتترجم هذه القوة المحلية اليوم إلى نجاحات عالمية. وتستعيد نادين خوري خلاصة عقد من المتابعة، مشيرة إلى أن الاعتراف الدولي المتزايد بالمواهب الفنية في المنطقة يحمل دلالة كبيرة. وتقول: «نشهد اليوم فنانين نشأوا وطوروا ممارساتهم الفنية هنا، وأصبحوا أسماء معروفة على الساحة العالمية. إن هذا الحضور يبدو تاريخياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى.» وتستشهد بصعود فنانين من المنطقة، مثل رانيم الحلقي، التي اختتمت عام 2025 بمعرض فردي وأتمّت برنامج إقامة فنية في Delfina Foundation في لندن، بوصفه دليلاً على ممارسات فنية تتمتع بعمق وقناعة قادرين على تجاوز حدود المنطقة وإحداث صدى عالمي.
ويستند مستقبل الفن في الشرق الأوسط، في نظرها، إلى أسس مؤسسية راسخة أكثر من اعتماده على الزخم المؤقت للمعاملات التجارية. وتشير خوري إلى أن مسار المشهد الفني يتجه بوضوح نحو النمو، مع افتتاح صالات عرض جديدة، وتوسع المؤسسات العالمية في المنطقة، وزيادة فرص برامج الإقامة الفنية، وهي جميعها عوامل تسهم في ترسيخ الفن كجزء طبيعي من الحياة، وتعريف جماهير جديدة به، وتنمية تقدير عميق ومستدام له. إنه استثمار في روح المنطقة وذاكرتها. وتوضح مينا فاري: «هناك إدراك متزايد بأن الاستثمار في الفنون والثقافة هو أيضاً استثمار في الأجيال المقبلة، فمن خلال الفنون نتذكر، ونتخيل، ونعبر عن أنفسنا عبر الزمن.»