شهد مشهد المطاعم في دبي تطوراً متسارعاً واستثنائياً، ومع وجود أكثر من 13 ألف مطعم، يواصل القطاع نموه يوماً بعد يوم. فقد انتقلت المدينة خلال عقدين فقط من خيارات محدودة بين المطاعم العائلية البسيطة وسلاسل الوجبات السريعة، إلى موجة مطاعم الطهاة المشاهير والفروع العالمية خلال العقد الماضي، وصولاً إلى سوق ناضج يزخر اليوم بالمفاهيم المحلية الراقية التي تلبي أذواق مدينة تضم نخبة من عشاق الطعام.
وباتت منطقة الشرق الأوسط اليوم تنافس مدناً مثل نيويورك ولندن وباريس، مع تقديم طهاة المنطقة تجارب طهو مبتكرة تمزج بين الإرث الثقافي والخبرات المكتسبة في مطاعم حاصلة على نجوم ميشلان حول العالم، وبين شغفهم الأصيل بفن الضيافة. ومن هنا، برز عصر نوادي العشاء.
وفي توجه نحو تجارب أكثر حميمية وبساطة، مستوحاة من دفء المنازل، بات عدد متزايد من الطهاة يفضلون تسليط الضوء على تجارب طعام فريدة، بعيداً عن الأطباق المبالغ في تقديمها أو الديكورات المصممة خصيصاً لتبدو مثالية على إنستغرام.
وكانت هذه الفلسفة تحديداً هي ما دفع هيا بشوتي إلى ترك عملها في مجال العلاقات العامة للعلامات الفاخرة، لتكرس وقتها لشغفها بالطهي، مستلهمة ذكريات جدتها وجذورها الثقافية. وتصف نفسها بأنها فلسطينية بالدم، أردنية بالجنسية، مع لمسات من اليونان والإمارات ومصر، بفعل الأماكن التي عاشت فيها.
وأطلقت هيا نادي العشاء الفلسطيني Haya’s Kitchen عام 2020، بفكرة بسيطة تقوم على مشاركة وجبة الطعام. بدأت التجربة في منزلها، قبل أن تنتقل إلى مواقع مختلفة في الإمارات، من بينها متجر مستقل لبيع الأسطوانات الموسيقية في منطقة القوز كان يملكه زوجها، إلى أن استقرت أخيراً في KAVE في السركال أفينيو.
وتطلق هيا على هذه التجربة اسم السُفرة، أي المائدة المشتركة، وتؤمن بأن مشاركة الطعام حول طاولة واحدة تغير طبيعة الحوار بين الناس، وتكسر الحواجز التي تفصل بينهم.

تقول هيا: «وُلدت فكرة السُفرة من شعور افتقدته، وليس من خطة أو استراتيجية عمل. فخلال طفولتي، ارتبطت أجمل ذكرياتي دائماً بالسُفرة في منزل جدتي، حيث كانت الوجبات الطويلة، والطاولات المزدحمة، والجميع يتحدثون معاً. كنت تجلس، ثم تبقى. لم يكن أحد يتناول الطعام بمفرده، ولم يكن أحد يستعجل المغادرة. بالنسبة لي، السُفرة هي تحية لتلك التجمعات العائلية، وللطريقة التي كان الطعام يجمعنا بها. ومن خلال Haya’s Kitchen، أسعى إلى الحفاظ على هذه التقاليد، من الوصفات والطقوس إلى أسلوب مشاركة الطعام، وإبقائها حية من خلال التجربة نفسها.
«السُفرة المشتركة، بالنسبة لي، تجسد الكرم والانتماء اللذين يشكلان جوهر الثقافة الفلسطينية. وجود الأطباق في منتصف الطاولة، وتناقلها بين الجميع، وأن يخدم كل شخص نفسه بنفسه، هو طريقة للترحيب بالآخرين، وتعبير صادق عن المحبة.»
وتفتخر هيا بالحفاظ على الوصفات التقليدية، وغالباً ما تروي لضيوفها قصص نشأتها وتشاركهم ذكريات شخصية مرتبطة بها. وتؤكد أن الطعام هو نجم التجربة، لكن الأجواء المحيطة به لا تقل أهمية بالنسبة لأي شخص يرغب في تنظيم تجربة مماثلة.
وتضيف: «لم أزر فلسطين يوماً، لكنني كبرت وهي حاضرة دائماً على مائدة الطعام. أعرفها من خلال الطعام، ومن خلال قصص العائلة، والوصفات الموروثة، والطريقة التي كانت تُطهى بها الوجبات وتُشارك داخل المنزل. أصبح الطهي وسيلتي للحفاظ على فلسطين الخاصة بي. بعض الأطباق ورثتها عن عائلتي، فيما اكتشفت أطباقاً أخرى مع مرور الوقت، كلما تعمقت أكثر في معرفة كيف شكلت المدن والمناطق المختلفة في فلسطين مطبخها الخاص.»
لكن التجربة، كما تؤكد، لا تقتصر على ما يُقدم في الأطباق، بل تشمل أيضاً القصص التي تُروى حولها.
وتتابع: «أريد للناس أن يشعروا وكأنهم يخوضون رحلة عبر فلسطين، من خلال الطعام، والذاكرة، والأحاديث. تنسيق الطاولة، والصور العائلية الموزعة عليها، والإحساس العام بالدفء، كلها عناصر أساسية في هذه التجربة. وعندما تجتمع معاً، تخلق شعوراً بالراحة والانتماء، وهو شعور صُمم ليُشارك مع الآخرين.»
فلماذا تشهد نوادي العشاء هذا الزخم في مدينة مثل دبي، رغم تنوع مشهدها الغذائي بشكل غير مسبوق؟ ترى هيا أن السبب لا يتعلق بتعدد الخيارات، بل بإيقاع الحياة.
وتقول: «أعتقد أن الناس سئموا من كل ما هو سطحي. نحن نعيش في مدينة سريعة الإيقاع، وفي معظم الأحيان لا تتاح لنا الفرصة للجلوس والاستمتاع بوجبة مع الأصدقاء كما ينبغي. نوادي العشاء تقدم شيئاً أبطأ وأكثر إنسانية. فأنت لا تأتي لتأكل فقط، بل لتجلس، وتتحدث، وتشعر بشيء حقيقي. ولا توجد سياقات كثيرة قد تجد نفسك فيها جالساً إلى طاولة واحدة مع غرباء، تتشاركون الطعام وتتعارفون. هناك من يأتي بحثاً عن نكهات مألوفة تمنحه شعوراً بالراحة، وهناك من يأتي لاكتشاف جانب جديد من المطبخ والثقافة الفلسطينية، والسُفرة تتسع للجميع. أعتقد أن الناس يشتاقون فعلاً لهذا النوع من التواصل، بعيداً عن الشاشات وإيقاع الحياة اليومي.»

يكمن جوهر أي نادٍ للعشاء، سواء كان مفهوماً احترافياً أو تجمعاً منزلياً ينظمه هواة، في خلق التفاعل بين الحضور. فالهدف هو إبقاء الحوار حياً، سواء من خلال عنصر محوري على الطاولة، أو عمل فني، أو موضوع يدور حوله اللقاء.
وتضيف هيا: «قد يكون الطعام هو ما يجذب الناس في البداية، لكن الأحاديث هي ما يبقى معهم بعد انتهاء الأمسية. فالسرد مهم لأنه الطريقة التي نحافظ بها على الذكريات؛ نتحدث، ونتذكر، ونكرر القصص حتى لا تضيع. وبوصفي مضيفة، أحرص دائماً على أن تبدو الطاولة نابضة بالحياة. وأتمنى أن يغادر الضيوف السُفرة وهم يشعرون أنهم كانوا جزءاً من تجربة حقيقية، لا أنهم اكتفوا بتناول وجبة فحسب.»
وتؤكد أنها من عشاق هذا المفهوم، وقد شاركت في نوادٍ أخرى للعشاء بصفتها ضيفة، واستمتعت بما تمنحه من أجواء حميمة.
وتقول: «أكثر ما لفت انتباهي هو مدى خصوصية التجربة؛ أن تتمكن من التفاعل مع الشيف، والاستماع إلى قصة كل طبق، وأن تبني علاقة أعمق مع الطعام نفسه. أعتقد أن نوادي العشاء أصبحت تحظى بكل هذا الاهتمام لأن الناس يبحثون عن شيء أكثر معنى من مجرد تناول الطعام خارج المنزل. إنها تجربة تقوم على المجتمع، وسرد الحكايات، وصناعة الذكريات حول مائدة واحدة.»
ويتفق الشيف الألماني روبن هوفر مع هذا الرأي. فقد انجذب إلى مفهوم نوادي العشاء بعد سنوات قضاها في مطابخ حاصلة على نجوم ميشلان في آسيا وأوروبا، حتى أصبح بعض ضيوفه يسافرون خصيصاً لحجز مقعد على طاولته التي لا تتسع سوى لثمانية أشخاص.
ويحمل مشروعه اسم Robz’ Chef’s Table، حيث لا تتشابه أي أمسيتين، إذ تتغير قوائم الطعام باستمرار لتقدم نكهات جديدة، بينما تعتمد الأمسيات التي ينظمها على الحدس والإبداع أكثر من اتباع الصيحات.
ويقول الشيف روبن: «تعاملت مع المشروع تماماً كما لو كنت أفتتح مطعماً متكاملاً؛ وضعت قائمة الطعام، والهوية البصرية، والموقع الإلكتروني، ونظام الحجوزات، وتنسيق المشروبات. وكان تقديم تجربة راقية لتناول الطعام من داخل شقتنا تحدياً كبيراً، لكنه كان أيضاً مجزياً للغاية. فقد لبّى حاجة حقيقية إلى تجربة أكثر خصوصية، وأكثر إنسانية، وأقل تقليدية ضمن مشهد المطاعم في دبي.»
ويصطحب الشيف ضيوفه في رحلة حول العالم، مستوحاة من ذكريات طفولته والدروس التي تعلمها في المطابخ التي عمل فيها.
ويضيف: «التفاعل هو العنصر الأهم على الإطلاق. فإذا لم تروِ القصة الكامنة وراء الطبق، سيبقى مجرد طبق. أما عندما يفهم الضيوف الفكرة أو المشاعر التي تقف خلف ما يتناولونه، فإن الوجبة تتحول إلى تجربة تبقى في الذاكرة، لا مجرد شيء استهلكوه.»
ولماذا ثمانية مقاعد فقط؟
يجيب قائلاً: «هذا العدد يسمح لي بالتركيز بالكامل على السرد وبناء العلاقات. أستطيع أن أمنح كل ضيف اهتمامي الكامل، وأن أجعله يشعر بأنه ليس زبوناً، بل صديقاً يستضيفه منزلي. هذه الحميمية تخلق دفئاً وثقة يصعب جداً تحقيقهما في مطعم كبير.»

وبصفته أحد المرشحين في دليل Gault&Millau UAE لعام 2025، يرى روبن أن دبي باتت مهيأة تماماً لازدهار ثقافة نوادي العشاء. ويقول: «لم يعد الناس يبحثون عن تناول الطعام فحسب، بل عن عيش تجربة متكاملة. وفي مدينة لا تنقصها الخيارات، ينجذب الضيوف إلى التجارب التي تبدو شخصية، وأصيلة، ومختلفة عن المألوف.»
وفي وقت تُقاس فيه الفخامة غالباً بالمبالغة، يؤمن روبن بأن فلسفة «الأقل هو الأكثر» هي أساس مفهومه. ويوضح: «بالنسبة لي، الفخامة تكمن في مستوى الاهتمام بالتفاصيل، وفي الحضور الحقيقي للشخص الذي يستضيفك. إنها مزيج من العناية، والنية الصادقة، والوقت، إلى جانب جودة المكونات الاستثنائية والتجربة ككل.»
أما لمن يرغبون في تنظيم نوادي عشاء خاصة للمناسبات، فيقدم نصيحة عملية: «من المهم دراسة أسعار نوادي العشاء الأخرى بعناية، وحساب التكاليف بدقة لضمان استدامة المشروع وتحقيق الربحية. كما ينبغي أن تقوم قائمة الطعام على قصة واضحة ومترابطة. فالضيوف الذين يحضرون تجربة عشاء حميمة لا يبحثون عن طعام شهي فقط، بل يتوقعون سرداً مدروساً يقودهم خلال الأمسية. وفي بيئة صغيرة وشخصية كهذه، يصبح عنصر الحكاية أكثر أهمية لصنع تجربة غامرة لا تُنسى.»
أما الشيف اللبناني كامل صياح، مؤسس Pizza Craft، فيتبنى هذا المفهوم من خلال تنظيم نوادي عشاء منزلية تجمع بين كرم الضيافة العائلية، والبيتزا المحضرة في الفرن الحطبي، وتجربة الطعام الجماعية.
ويقول: «الأجواء المنزلية تزيل الحواجز التي غالباً ما ترافق تجربة المطاعم التقليدية. فلا يوجد استعراض أو مسافة بين المضيف والضيوف. وأكثر ما يسعدنا هو مشاهدة أشخاص يدخلون غرباء ويغادرون أصدقاء. وهذه الروح ترافق كل ما نقوم به، سواء في خدمات الضيافة الخاصة أو ورش العمل. أينما كانت الطاولة، يبقى الهدف واحداً: بناء التواصل.»
ورغم أن التجربة تبدو عفوية، يؤكد كامل أن الحرفية هي العنصر الأساسي، بدءاً من تخمير العجين وحتى إخراجه من الفرن.
ويضيف: «الضيوف لا يكتفون بالأكل، بل يشاهدون العملية، ويتبادلون القصص، ويطرحون الأسئلة. وهكذا يصبح الطعام لغة مشتركة، لا مجرد طبق جاهز.»
ويمزج كامل في قائمته بين المطبخ الإيطالي وروح الضيافة اللبنانية، وهو مزيج متوسطي يراه مثالياً.
ويقول: «يشترك الطعام الإيطالي والضيافة اللبنانية في لغة واحدة، هي الكرم وروح المشاركة. فهناك دائماً المزيد من الطعام، والمزيد من الوقت، والمزيد من الحكايات.»
وفي مدينة تُعرف بإيقاعها السريع وصورتها المصقولة، يرى كامل أن سر نجاح نوادي العشاء يكمن في أنها تقدم معنى حقيقياً.
ويقول: «الناس يشتاقون إلى تجارب تبدو حقيقية، وعفوية، وإنسانية.»
أما مفهوم الفخامة، فيعتقد أنه تغير.
ويختتم قائلاً: «اليوم، أصبحت الفخامة شعوراً. أن تشعر بأنك مرحب بك، وأن يتذكرك الآخرون، وأن تكون مرتاحاً بما يكفي لتبقى قليلاً. وقت بلا استعجال، وحديث بلا مقاطعة، ولحظات تتحول إلى ذكريات.»
ولمن يفكر في إطلاق نادي عشاء خاص به، يقدم نصيحته الأخيرة: «حافظوا على البساطة والطابع الشخصي. اختاروا أطباقاً تستمتعون بإعدادها، واصنعوا أجواء مريحة، وادعوا أشخاصاً تستمتعون حقاً بصحبتهم. فقائمة طعام صغيرة ومدروسة، إلى جانب أحاديث جميلة، هي ما يجعل تجربة نادي العشاء لا تُنسى.»
الصورة الرئيسية بعدسة فيديريكا بوتيلي لصالح العدد 106 من مجلة MOJEH.
نُشر هذا الموضوع لأول مرة في عدد مايو 2026 من مجلة MOJEH. اشتركوا الآن.