بالنسبة للكثير من الناس في دولة الإمارات وفي أنحاء المنطقة، بدت الأسابيع الماضية مقلقة بطريقة يصعب وصفها بالكلمات. ورغم أن المقيمين في الإمارات يواصلون حياتهم اليومية قدر الإمكان، إلا أن هناك شعوراً خفياً بعدم الارتياح والقلق. فتنبيهات السلامة وأخبار الصراعات القريبة قد تجعل الصدر يضيق والعقل يتسارع، ويترافق ذلك مع إدراك أن هذا ربما أصبح الواقع الجديد. وهو إدراك ليس من السهل تقبّله. وعلى الرغم من أن الوضع في الإمارات لا يُقارن بالتحديات التي تواجهها الدول المجاورة، فإنه يظل فترة مقلقة ومخيفة وصعبة الفهم.
من المهم الحفاظ على منظور متوازن: فهذه الأحداث حديثة جداً، وعقلك وجسدك ما زالا يتكيّفان مع واقع غير مألوف. إن الشعور بالخوف مع الإحساس بالأمان في الإمارات أمر إنساني تماماً — ولا ينتقص من شعورك بالامتنان. يمكن لهذين الشعورين أن يتواجدا معاً، وكلاهما صحيح ومفهوم.
بالنسبة للبعض، قد تكون هذه المرة الأولى التي يشعرون فيها بأن الصراعات العالمية أصبحت قريبة بما يكفي لتؤثر في حياتهم اليومية وروتينهم المعتاد. أما بالنسبة لآخرين، خصوصاً أولئك الذين مرّوا بتجارب عدم استقرار أو نزوح، فقد تعيد العناوين الإخبارية والأصوات والتداعيات إحياء ذكريات ومشاعر قديمة، تظهر فجأة وتسبب ضيقاً ربما ظننت أنك تجاوزته.
كما أن الأمر يصبح أكثر صعوبة عندما يكون العالم كله يراقب. فوسائل التواصل الاجتماعي تعجّ بالآراء — بعضها مربك وبعضها قاسٍ بلا رحمة — وغالباً ما يتجه الاهتمام نحو المؤثرين الأجانب المقيمين في الإمارات؛ حيث يجد بعض المتصيدين على الإنترنت متعة في رؤيتهم متوترين ويحاولون فرض الطريقة التي ينبغي أن يشعر بها المقيمون تجاه الصراع. وهناك من يدعو إلى تخيّل الحياة في أماكن تواجه دماراً واسعاً. إن التنقل بين كل هذه الأصوات بينما تحاول فهم مشاعرك الخاصة — من حزن أو خوف أو ارتباك أو حتى شعور بالارتياح — قد يبدو مرهقاً للغاية. ومن حقك أن تشعر بكل هذه المشاعر دون حكم.
وحتى وسط هذا الزخم من المشاعر والضغوط الخارجية، قد تلاحظ شعوراً قوياً بالامتنان — وأحياناً يترافق مع إحساس بالذنب. قد تتساءل لماذا تشعر بالخوف بينما تتعامل الحكومة مع الوضع بأقصى درجات الاهتمام بمواطنيها. هذا رد فعل طبيعي تماماً. فملاحظة سرعة تحرك الإمارات لحماية سكانها، ورؤية المجتمعات تتكاتف، أو مشاهدة أفعال لطف صغيرة، لا يزيل القلق. بل يمكن لهذه اللحظات أن تكون بمثابة مرساة ثابتة: دليل على أنه من الممكن الشعور بالخوف والتقدير في الوقت نفسه. فالإحساس بالأمرين معاً لا يعني أنك غير ممتن أو غير واعٍ — بل يعني ببساطة أنك ترى الجوانب الجيدة وسط لحظة مخيفة ومربكة.
التعرّف على القلق واتخاذ خطوات مبكرة
تقول ديفيكا مانكاني، الأخصائية النفسية المقيمة في The Hundred Wellness Centre: «غالباً ما يبدأ القلق في الجسد قبل أن ندركه بالكامل في العقل». وقد تشمل العلامات المبكرة صعوبة في النوم، أو الاستيقاظ المتكرر لتفقد الأخبار، أو الشعور بضيق في الصدر أو المعدة، أو التهيّج، أو أفكار متسارعة تدور باستمرار حول سيناريوهات «ماذا لو». جسدياً، قد يدخل الجهاز العصبي في حالة استجابة خفيفة من نوع «القتال أو الهروب». وقد يلاحظ الأشخاص تنفساً سطحياً، أو صداعاً، أو توتراً في الفك، أو اضطرابات هضمية.
وتقول مانكاني لمجلة MOJEH: «الخطوة الأكثر فائدة في البداية هي تنظيم الجهاز العصبي بدلاً من محاولة التخلص من القلق بالتفكير وحده». ومن أبسط الطرق لتحقيق ذلك تمارين التنفس: الشهيق لمدة أربع ثوانٍ ثم الزفير لمدة ست ثوانٍ. فالزفير الأطول يرسل إشارة للجسم بأنه في أمان، وحتى دقيقة واحدة من التنفس المركّز يمكن أن تهدئ ضربات القلب المتسارعة والأفكار المتشتتة.
إعادة التواصل مع الحاضر
قد يكون للخروج إلى الهواء الطلق، أو التمدد، أو حتى الجلوس تحت أشعة الشمس تأثير مهدئ — مع ضرورة الالتزام أولاً بأي تعليمات سلامة تتطلب البقاء في الداخل. تقول مانكاني: «يهدأ الجهاز العصبي بسرعة أكبر عندما نحوّل انتباهنا بعيداً عن مراقبة التهديد المستمرة ونعود إلى العالم المادي من حولنا». فالشعور بقدميك على الأرض، أو ملاحظة دفء الشمس على بشرتك، أو القيام بنزهة قصيرة يمكن أن يساعدك على الترسخ في اللحظة الحالية.
حتى نظام الإنذار المبكر الوطني في الإمارات — الذي يحدد بدقة متى يجب الاحتماء أو اتخاذ الاحتياطات — قد يكون مفاجئاً. وتوضح مانكاني: «الصوت المفاجئ والعالي قد يثير اندفاعاً من الأدرينالين، وهذا أمر طبيعي تماماً». إن الشعور بالتوتر بعد صدور إنذار هو استجابة طبيعية من الجسم الذي تطوّر لحمايتك. وقد عدّلت السلطات في الإمارات توقيت التنبيهات: من الساعة 9 صباحاً حتى 10:30 مساءً سيصدر صوت صفارة للتحذير، ويصدر صوت إشعار عادي للإشارة إلى انتهاء الخطر. أما من 10:30 مساءً حتى 9 صباحاً فسيُستخدم صوت الإشعار العادي لكلٍ من التحذير وإعلان انتهاء التنبيه.
تنظيم الأفكار
عندما يرتفع مستوى القلق، يميل العقل إلى خلط الحقائق بالمخاوف والاحتمالات المتخيلة في خيط متشابك ومربك. وعندما يحدث ذلك، توصي مانكاني بطريقة الأعمدة الثلاثة:
- ما الذي أعرفه يقيناً
- ما الذي أخشى أن يحدث
- ما الذي يمكنني فعله اليوم فعلياً
وتقول: «هذه الطريقة تفصل الواقع عن التخمين وتعيد الشعور بالقدرة على التحكم». وحتى تدوين الأفكار لمدة خمس دقائق فقط يمكن أن يقلل من الازدحام الذهني ويجعل المواقف المجهدة أكثر قابلية للتعامل.
ومن الأدوات المفيدة أيضاً ما يسمى إيقاف القلق مؤقتاً. فعندما تظهر فكرة مقلقة، دوّنها وحدد وقتاً معيناً لاحقاً في اليوم للتفكير فيها. وتوضح مانكاني: «تُظهر الأبحاث أن تخصيص وقت للقلق يمكن أن يقلل من الاجترار الذهني لأن الدماغ لم يعد يشعر بالحاجة إلى إعادة التفكير بالمشكلة باستمرار».
البقاء على اطلاع دون إرهاق
من الطبيعي أن نرغب في متابعة الأخبار، بل ومن المهم ذلك لأسباب تتعلق بالسلامة. لكن التدفق المستمر للأخبار والمنشورات والآراء المتضاربة قد يبقي الجهاز العصبي في حالة تأهب دائم. فكثير من الناس على الإنترنت يبالغون أو يقللون أو يتكهنون بشأن الأحداث، مما قد يزيد القلق أكثر مما يحدث في الواقع.
تنصح مانكاني بالاعتماد على مصادر إخبارية موثوقة ومتابعتها في أوقات محددة — ربما مرة صباحاً ومرة مساءً أو في فترات تشعر بأنها مناسبة لك. كما يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي، حتى منصات مثل تيك توك، أن تزيد التوتر إذا كان المحتوى السلبي أو المثير يهيمن على ما تراه. ومن المقبول الابتعاد عن هذه المنصات أو تحديد استخدامها، مع إبقاء الهاتف قريباً لتلقي التنبيهات الرسمية. وتشمل القنوات الرسمية في الإمارات: الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث، وزارة الداخلية، المكاتب الإعلامية لحكومتي دبي وأبوظبي، ووكالة أنباء الإمارات.
وتضيف مانكاني: «الوقت في الهواء الطلق، والحديث مع الأصدقاء، والاستماع إلى الموسيقى، والصلاة أو التأمل، كلها إشارات أمان للدماغ وتمنع تنشيط التوتر المزمن». لذا فإن إيجاد توازن بين متابعة الأخبار وإعطاء عقلك فرصة للراحة أمر ضروري.
إيجاد الهدوء من خلال الروتين وتعلم مهارات جديدة
حتى العادات اليومية البسيطة يمكن أن تساعد في استقرار الجهاز العصبي. فالتعرض لضوء الشمس صباحاً، وتناول الطعام في أوقات منتظمة، والقيام بنزهات قصيرة، أو تخفيف الإضاءة مساءً كلها رسائل يرسلها الجسم لنفسه: «هذا أمر متوقع. هذا آمن».
تقول مانكاني: «هذه الإيقاعات الصغيرة تخبر الجسم بأن الحياة لا تزال قابلة للإدارة حتى في أوقات عدم اليقين». فهي لا تمحو الخوف، لكنها تمنح العقل والجسد شيئاً مألوفاً يمكن التمسك به عندما يبدو كل شيء آخر غير متوقع.
وقد يكون هذا أيضاً وقتاً مناسباً لتجربة التأمل أو اليوغا أو تمارين التنفس اللطيفة — حتى لو لم تكن من عاداتك. فالدروس المتاحة عبر الإنترنت قد تساعدك على التركيز في الحاضر أو تمنح ذهنك استراحة من الأفكار المتسارعة. وقد يبدو تعلم مهارة جديدة أمراً بسيطاً، لكنه طريقة حقيقية لإعادة توجيه الطاقة واستعادة الشعور بالهدوء.
وإذا كنت تقضي وقتاً أطول في المنزل، فلا بأس بالاستفادة من هذا المكان. ربما يكون الوقت مناسباً لتنظيم خزانة الملابس التي كنت تؤجل ترتيبها، أو إنهاء كتاب، أو ترتيب قائمة مهام، أو بدء مشروع إبداعي صغير. فهذه ليست مجرد أعمال منزلية، بل أشكال من العناية بالنفس تمنحك شيئاً ملموساً للتركيز عليه عندما يبدو الكثير خارج السيطرة. وتضيف: «أنشطة بسيطة مثل الطهي أو المشي أثناء الاستماع إلى الموسيقى أو بودكاست، أو حتى الرسم، يمكن أن تساعد الدماغ على الابتعاد عن مراقبة التهديد المستمرة».
هذه اللحظات لا تتعلق بالإنتاجية بقدر ما تتعلق بمنح نفسك الإذن للحركة والإبداع والتنفس بطرق تساعدك على الشعور بالثبات خلال هذه الفترة غير المريحة، وتحويل الأفعال اليومية إلى لحظات من الهدوء والحضور.
التعامل مع موجات الخوف المفاجئة
حتى مع وجود روتين يومي، قد تظهر لحظات من الخوف أو الذعر بشكل مفاجئ. توصي مانكاني ببعض التقنيات العملية التي يمكن أن تساعدك على استعادة الهدوء والشعور بالثبات:
تقنية التأريض 5-4-3-2-1:
- 5 أشياء يمكنك رؤيتها
- 4 أشياء يمكنك لمسها
- 3 أشياء يمكنك سماعها
- 2 أشياء يمكنك شمّها
- 1 شيء يمكنك تذوقه
وتقول مانكاني: «تساعد هذه الطريقة على إخراج الدماغ من تهديدات مستقبلية متخيلة وإعادته إلى اللحظة الحالية».
ومن التقنيات المفيدة أيضاً تنفس الزفرة الفسيولوجية: خذ شهيقين قصيرين عبر الأنف، ثم زفيراً طويلاً عبر الفم. تكرار هذه العملية لمدة دقيقة قد يهدئ الجهاز العصبي بسرعة كبيرة.
ومع دخولنا الأسبوع الثاني من حالة عدم اليقين، ما زال الوضع جديداً وغير متوقع. إن الشعور بالاضطراب أو القلق أو التوتر أمر طبيعي بينما يتكيف الجسم مع ما يحدث حولك. وبينما تواصل الإمارات العمل للحفاظ على سلامة سكانها، يمكن للروتين البسيط وتقنيات التأريض وتنظيم اليوم أن تخلق لحظات من الهدوء وسط الحياة اليومية.
الصورة المرافقة بعدسة دانيال مولفورد لمجلة MOJEH العدد 130.
اشترك هنا.