استكشاف الفن والإلهام في عالم الفنان جود السمان السريالي

من خلال عيون الفنان الأردني جود السمان، تُسلّط MOJEH الضوء على الاهتمام الإقليمي المتزايد في مجال الفنون الجميلة.

بقلم :

إن ازدهار الساحة الفنية في المنطقة لم يمنح الفنانين الشباب في الشرق الأوسط فرصة لعرض أعمالهم فحسب، بل وفّر لهم أيضاً مساحة للتعلّم من بعضهم البعض وبناء مجتمع يجمع بين المعرفة والإلهام.

وفي حوار مع الفنانة الأردنية جود السمان، تستكشف MOJEH وجهة نظر فنانة صاعدة ورحلتها في خوض غمار عالم الفن.

كانت والدتها هي الداعمة الأولى لتعلّمها للفنون، إلى جانب معلمها ومرشدها الفنان الأردني-الفلسطيني الراحل عزيز عمورة. تقول جود السمان لـ MOJEH: “بدأ الأمر بتشجيع والدتي وتعاليم الفنان الراحل عزيز عمورة، وكلاهما جعلاي أدرك إمكانياتي.”

بدأت رحلتها من خلال اهتمامها بفنانين وشعراء أمثال ناجي العلي، إسماعيل شموط، نزار قباني ومحمود درويش، حيث أيقظت أعمالهم شيئًا عميقًا بداخلها، شيئًا لم يُشعل فقط شغفها بالفنون الجميلة، بل سمح أيضًا بنشوء حبّ عميق لأرضها. توضح قائلة: “أحببت الفن السياسي، والشعراء، والفنانين الذين يروون حكايات، وخصوصاً خلال دروس اللغة العربية، حيث تعرفت على مواضيع مثل الاستعمار من خلال الشعر. وهناك بدأت جذور حبي للأرض تنمو.”

وبصفتها فنانة، جعلت جود من إتقان التقنية الفنية هدفًا شخصيًا، وقررت الغوص في عالم تشعر بارتباط عميق به. تقول: “وهذا ما دفعني لدراسة الفنون الجميلة في الجامعة. لم أرغب في أن تكون أفكاري محدودة بما لا أستطيع رسمه أو تجسيده بعد.”

تجد أعمال جود السمان مكانها، في معظم الأحيان، ضمن عالم السريالية، حيث تتجسد الأرواح والأحلام والنفوس على القماش. تعمل كثيراً ضمن “مناظر الأحلام”، مستكشفة تعقيدات الهوية الثقافية، والاقتلاع، والانتماء، والبحث الأبدي عن الوطن. توضح جود:
“أستخدم الرمزية للتأمل في الذاكرة الشخصية والجمعية معاً، وغالباً ما أستمد من أرشيفي الخاص لأنسج عناصر من تاريخي الشخصي في فني. آمل أن أخلق مساحات يتداخل فيها المادي والروحي، مما يدعو للتفكّر العميق حول المعنى الحقيقي للانتماء.”

ما يلفت نظر المشاهد في أعمال جود هو استخدامها المتكرر للصور الذاتية، وهي تقنية شائعة عند استخدام الأجساد البشرية للتعبير عن المشاعر العميقة. تقول: “الأمر لا يتعلق بتوثيق الذات، بل باستخدام الجسد كوسيلة لاستكشاف تجربة جمعية. صوري الذاتية تعكس البيئة التي نشأت فيها والتاريخ المتداخل لمنزلي. عندما أرسم نفسي، فأنا في الحقيقة أرسم جسداً عربياً، وأتأمل علاقته بالأرض – كيف يحمل الذكريات، والفقدان، والإحساس بالمكان. الأمر لا يتعلق بالظهور الشخصي، بل بتمثيل تجربة مشتركة.”

إن استخدامها لصورتها الشخصية، مع تجريدها من ملامح التعريف المباشر، مع الإبقاء على طبقات من هويتها، يُنتج أعمالاً فنية تتجاوز حدود التعبير الشخصي، وتفتح المجال لحوار أوسع داخل المجتمع.

بالنسبة للفنانين الشباب، تُعدّ الإلهام نقطة الانطلاق. فما هي التأثيرات التي تُشعل فضول العقول الناشئة؟ ومن هم الأفراد القادرون على إحداث هذا الأثر؟

في حالة جود السمان، كان شغفها بالسريالية هو الدافع الأساسي؛ وتشير إلى الفنان عبد الهادي الجزار، الرسّام المصري المعروف بكونه جزءاً من الحركة الحداثية في مصر. تقول جود: “أعمال عبد الهادي الجزار أظهرت لي كيف يمكن أن تبدو السريالية من منظور عربي. لقد خلق عوالم ملهمة بعمق، تتداخل فيها الصوفية، والفلكلور، والدين، ومتجذّرة بعمق في ثقافتنا.”

كما تشير جود إلى إنجي أفلاطون كأحد النماذج الفنية التي تنظر إليها بإعجاب. وتقول: “إنجي أفلاطون من الشخصيات التي أكنّ لها احتراماً كبيراً، ليس فقط لقوة أعمالها، بل أيضاً لجرأتها في عكس واقع عصرها بكل صدق. قصتها ما زالت تلهمني حتى اليوم. وبشكل عام، لطالما انجذبتُ إلى الفنانين الذين تُجسّد أعمالهم شكلاً من أشكال المقاومة؛ أولئك الذين يحملون أرضهم وشعوبهم وتاريخهم فيما يخلقونه.”

عند النظر إلى المشهد الفني من منظور الفنانة الشابة، يتغيّر فهم أهمية نمو هذا القطاع الإقليمي. إذ لا يقتصر الأمر على الحصول على الاعتراف في الساحات الفنية العالمية، بل يتجاوز ذلك ليصبح دافعاً نحو نهضة جديدة في العالم العربي — نهضة تؤكد جود أنها ستكون بقيادة الفن.

توضح جود لـ MOJEH: “أعتقد أن هناك إمكانيّة لظهور نوع جديد من التنوير من خلال الإنتاج الإبداعي بجميع أشكاله: من السينما، والموسيقى، إلى الفنون البصرية والكتابة وغيرها. العالم يراقب، والمبدعون الشباب في طليعة التغيير، يتحدّون السرديات السائدة ويخلقون مساحات لسرديات جديدة، ولهذا أرى أنهم بحاجة إلى الدعم الآن أكثر من أي وقت مضى.”

المشهد الفني في المنطقة لم يتباطأ حتى خلال الصيف، بل استمر في رعاية المواهب وتلبية شغف محبّي الفن من خلال إنتاجات فنية متنوعة. وكما تقترح جود السمان، فإن هناك الكثير من الحزن، والفخر، والإلحاح في الأجواء — ومن خلال الفن، يمكننا أن نحقّق التواصل والانتماء.

قصص ذات الصلة